السبت، 5 مايو 2012

مقال: تجار الكلمة

مقال ثقافي:


تجار الكلمة
ما قيمة الكلمة عندما تباع في سوق لا يٌراع فيها حرمتها و لا أخلاقها ؟

في سوق الجدل حيث البضاعة الوحيدة المتوفرة للبيع هي الكلام..
كلام بكل أشكاله يرضي جميع الأذواق ، و يتناسب مع كل الميول ، فقط ادخل هذا السوق لترى ما يروق لك من أصناف الكلام ذات القوالب الجاهزة للبيع...كلام في السياسة لا يعقل صاحبه ماذا يقول، كلام في الشعر تتوه معه العقول و الأفعال، كلام في الفلسفة تخرج الإنسان من دائرة النور أحيانا  ،كلام مزخرف لصيد القلوب، كلام في الحوار لتحطيم جسر التواصل و التفاهم، كلام في الشتم و التحقير لنصب مشنقة الإعدام على أبرياء الحروف، كلام في مراسم المناسبات لخداع البصر و تضليل الحقيقة و كلام جميل نادر يصيب كبد الحقيقة و يشفي صدرها ..

وقد ازداد الأمر تعقيدا مع غياب شمس الحقيقة عن قلوب الناس ، و دخولهم في عصر الثورة الالكترونية ، و التي كانت إحدى أدواتها الانترنيت ، ذلك العالم غير المرئي فكانت المساحة أكبر لترويج الكلام ، فرفعوا علم الكتابة شعارا ، و قرروا أن يقودوا معارك البطولة المتأزمة باستخدام الكلام ، فوقعوا في مهالك الحرف ، وأخذوا يعرجون في أودية النفاق يبحثون عن زوايا مظلمة لنشر بضاعتهم ، و ألبسوا الحقيقة قناعا مختلفا مطرزا بكلمات الوهم و الخداع و الكذب ..أرادوا من خلال هذا أن يعوضوا عن النقص الذي غزا مساحات النفس عندهم ، فتصحرت قلوبهم ، و جفت موارد الخير فيها ، و تحولت خضرتها إلى زرع يابس ينتظر موعد الرحيل.

الكلمة سلاح ذو حدين نطلقها نحو الهدف ضمن ما يحدد حاملها اتجاهها ، فيجعلها إما لواءا ينصّبها على قمم العزة و الكرامة و الشرف عندما يراعي أخلاقيات الكلمة و شرفها ، أو ينحدر بها فيجعلها سمّا تقتل كل من يحتسي رحيقها و يعتنق وجهتها ، غير العار الذي سيلحق بصاحبها .

للكلمة وظيفة تنويرية تفتح في سعيها أبواب الظلمة لتصبح الطرقات سالكة للعبور إلى النور.لكن مع تراجع قيمة الكلمة ، و تقدم مصالحها النفعية أصبحت بعيدة عن هدفها التنويري ، بل دخلت في دور تهميش العقول و اصطياد فكرها و استعباد قوتها و اغتيال وجودها ..فاستبدل الإنسان الجهاد في ساحات المعركة ببعض العبارات التي تتناسب مع ثوبه الذي أختاره أمام الناس ليظهر به ، فأخذ يرهب بها الناس ليقال أنه ثوري ، وتحول الأدب إلى ساحات لاغتيال معاني الكلمة فأصبح بعض الأدباء جزارين يريدون أن ينالوا من رقاب الناس عندما لا يستطيعوا أن يٌٌخضعوا إرادة الحق إلى أهوائهم.. فيجرحون اللغة و يدمون جلدها بسوط كلامهم الذي لا يرحم..ولا نغفل عن صائدي الكلمات و الشباك التي ينصبونها بزخرف القول لاصطياد الغزلان الشاردة في غابة الكلام .. و لا ننسى أيضا حجم معاناة الكلمة من مأجوري الكتابة الذين يبيعون أقوالا كاذبة لشراء فيها ولاء الناس أو شراء عقولهم مستغنين بذالك عن الضمير .

و هكذا سلسلة من الاغتيالات يقودها الكثير من حاملي الكلمة الذين جعلوا منها سوقا لبيع بضائعهم الرخيصة فأبحرت مراكب الكلمة بعيدا عن شاطئها فما عادت تؤثر في العقول فتتفاعل معها فيحصل التأثير المنعكس إيجابا على الفرد و مجتمعه.

إنها ، للأسف ، ظلال لكلمات مستهلكة نفذت صلاحيتها و لم تعد صالحة للاستخدام الإنساني.

مع التحيات
رنا خطيب

24/9/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق