السبت، 5 مايو 2012

مقال: قاوم بعقلك قبل أن تمسك سلاحا

مقال فكري:

قاوم بعقلك قبل أن تمسك سلاحا..

هل أتقنت قواعد المقاومة ، و حفظت قوانينها قبل أن تقرر أن تدخل في ميادينها ؟
هل أعطيت العقل مجالا للتبصر قبل أن تضغط على زناد أي سلاح ؟
الحياة مسرح واسع يستوعب جميع الأدوار التي يديرها الإنسان على هذا المسرح ، و تتنوع الأدوار ، و تختلف وفقا لتنوع الميول ، و التوجهات ، و الثقافات ، و طبيعة ظروف المجتمع التي تحيط بهذا الإنسان . و بهذا التنوع الطبيعي ينشأ الاختلاف ، و هو طبيعي أيضا لمن يعقل قوانين تنوع الإنتاج البشري ، و يدرك أن حركة الزمن المتغيرة تنتج دائما مستجدات هي خلاصة التفاعل البشري مع الموجودات ، و أنه لا سبيل لمقاومة الجديد كله كونه قد ينقلب على القديم أو يعدّل مساره أو يغيّر وجهته .
فمقاومة الجديد ينشأ عنه صراعا تختلف درجته باختلاف نوع هذا الجديد ، و طبيعة المقاوم له .. لكن في كل الأحوال لا بد أن نعطي العقول مجالا لتشارك في عملية الكشف عن هذا الجديد ، و الإصغاء له ، و محاورته ، ثم اتخاذ نوع المقاومة المناسبة ضده .. فليس كل جديد يحتاج إلى تسلح ، و مقاومة ، فهناك جديد يخلق لكي يعين البشرية على تجاوز ضعفها و جهلها ، و هناك جديد صنعته أمم فرضت عليها الحاجة و ظروف بيئتها ذلك. و هناك جديد يزحف و معه سمّا يراد منه تسميم عقول معتنقيه و حاملي لوائه .. إذا تشخيص الجديد القادم بقوة إلى العوالم البشرية يعتبر أمرا ضروريا لتحديد سلاح مقاومته ..
لطالما تساءل العقلاء - و هم ينقّّلون العقل عبر أسفار الوقائع التي تديرها فئات تتخذ من توجهها المعبأ ، و المنظم من قبل الجهات التي تديرها مسارا تتبعه و تسير على نهجه ، بغض النظر عن نوع الجهات - بأنه هل سلوك المقاومين ضمن هذا التوجه سلوكا يلتزم بأخلاق و أدب المقاومة الحقيقية ؟!!
للأسف تجيب المشاهدات الواقعية بما لا يحتمل الشك بأن المقاومة التي يمارسها الكثير هي ليست إلا سلوكا عبثيا يمثل توجه الشخص ذاته ، أو الجهات التي تُديره لغاية الهدف . و بالتالي تصبح المقاومة سلبية و عامل مساعد لتقوية الأطراف المعادية للمقاومة بدل من إضعافها و تشتيت قوتها.
فالمقاومة تحتاج إلى القوة التي يساندها العقل فتسخّر و توظف موارد الإنسان باتجاه السير في الطريق الصحيح .
و هناك عدة أشكال للقوة يتخذها الإنسان عندما يقاوم فهناك قوة السلاح العسكري عندما يكون خيار القوة الغاشمة ، و المستبد ، و فوضويات العقول ، و تخلفها هو السائد ، و هناك قوة التفاوض و الدبلوماسية و الحوار عندما نبحث عن حلول سلمية ، و هناك قوة المعلومات و وسائل الاتصالات عندما نريد أن نقود ثورة العقول و نحرر العقل المعتقل من أدغال التشدد و التعصب و الجهل و التي ترفض حتى محاولة مخاطبة كل دعاوي الاجتهاد و التنوير و التغيير ، و هناك قوة التأثير من خلال وسائل الإعلام ، و كسب التأييد الدولي و العالمي ، و منظمات حقوق الإنسان عندما نريد أن نصعد وتيرة الرأي عالميا ليكون له صدا واسعا ، و لنا في إسرائيل مثالا على نجاح هذه القوة في كسب الرأي العالمي و الدولي و الشعوب في قضيتها لتمكين وجودها في وطن احتلته بالقوة . كذلك التفاف الشعوب حول دولتها و إيجاد اللحمة الوطنية فيما بينهما ، و تطبيق القوانين يعتبر قوة ، و هناك قوة التخطيط و الإدارة عندما نريد أن نصل إلى الهدف تنظيميا ، و البحث العلمي و تنوع و ازدهار الثقافات و حركة الترجمة الناشطة في ميدان العمل ، و اللغة كلها قوى ترفد حضارة أمة ، و تساهم في تقدمها ، و طبعا لا ننسى قوة الإيمان ، و هي في المقدمة ، و التي تحرر النفس من كل أعدائها و تعدّ الإنسان الحرّ و القادر على مواجهة كل قوى المناهضة للحق . و غيرها من أشكال القوة التي يمكن الإنسان أن يستخدمها في مساره المقاوم للقوى المناهضة له . و لكي تصبح القوة فعّالة و إيجابية لا بد أن يكون لها اتجاها محددا تلتزم به و لا تنحرف عنه أبدا . و لكي تحافظ على هذا الاتجاه لا بد من توفر أدوات هذه المقاومة و التي يأتي في مقدمتها العقل ، هذه الأداة المبصرة التي تشاهد و تبصر و تحلل و تتعمق ثم تطلق نتيجة المشاهدة مستندة على مجموعة هذه العمليات الفكرية .. فعندما نوظف هذه الأداة المبصرة في عملنا المقاوم للقوى المناهضة لنا ندرك حجم تلك القوى ، و مصدر قوتها ، و نقاط ضعفها ، و أهدافها فنتسلح ، و نتوجه ، و نفعّل نشاطات المقاومة ، و نوجه سلاحها نحو إصابة الهدف بشكل صحيح.
لذلك لا بد من وجود العقل المبصر عند الإنسان ليتسلح به في أثناء عمله المقاوم ، لأن غياب هذه الأداة عن ساحة المقاومة قد يؤدي إلى نتائج عكسية و سلبية فيصبح العمل المقاوم ، الذي هو ردة فعل لفعل مهاجم ، عملا فضويا و فاقدا للرؤية الصحيحة و الاتجاه ، و هذا ما نلاحظه على صعيد بعض الأحزاب و التكتلات و الجماعات التي تستمر في مزاولة العمل المقاوم الاستفزازي حتى بعد زوال أسباب الفعل الهجومي و التي لأجله كانت المقاومة . أو ما نشاهده اليوم في ساحات المنتديات من صراعات و خلافات يدعي روادها بأنهم يقاومون الطغاة و المعتدين بإقصاء وجودهم و فكرهم بسبب عدم تطابق توجهات هؤلاء المزعومين بالطغاة مع توجهاتهم . و إذا ألقينا النظر على هؤلاء الطغاة ، كما يدّعون أهل المقاومة ، لعلمنا ، بمرارة ، أنهم إخوانهم في الدين أو الوطن ، و متساوون معهم في حقوق المواطنة فتكون النتائج المزيد من الفرقة ، و التشتت ، و تصاعد نيران الفتنة ، و الصراعات بين أبناء الوطن الواحد . كذلك نحتاج إلى العقل المتبصر لكشف حقيقة المقاوم و توجهه و هدفه ، فليست كل مقاومة يصنعها الإنسان تكون في صالح مقاومة الظلام و الأعداء و الأفكار السامة ، بل قد يقاوم الملحد كل قوى النور التي يواجهها بسبب فكره المخالف لها ، فرغم مبدأ المقاومة عند هذا الملحد راسخة لكن مقاومته استندت على باطل و ذلك بسبب غياب العقل المهتدي المتبصر بنور القلب .
كلنا نملك عقولا لكن الكثير منها يحتاج إلى ملء فراغاتها الفكرية و هذا لن يكون إلا عن طريق يقظة الوعي عندها،و تحرير فكرها من معتقلات الجهل و الظلام و التبعية و التقليد و سيطرة الأهواء الشخصية، و من تفعيل دور الفكر في عملية البناء الجديدة للأفكار و المفاهيم التي نزحف إلينا بقوة لنوجهها نحو ما يخدم ويعزز وجودنا على خارطة العالم ، و هذا يحتاج إلى فتح نوافذ العقل عندنا لسماع صوت الآخر و محاورته و التعرف على فكره و ثقافته و من خلال العملية الحوارية أيضا نوصل لهم فكرنا و إرثنا و ثقافتنا ، و بهذا التبادل الثقافي و المعرفي عبر قنوات الحوار بين الطرفين نبني جسور التواصل مع كل القوى ، و نطوّق قدر المستطاع عمليات الاعتداء علينا من كل الأطراف ، و نحلّ محلها لغة التعايش و قبول الاختلاف كسنة كونية مسلّم بها و التعامل معها كحقيقة لا مناص منها. و نوظف هذه الأفكار و المفاهيم الجديدة بعد أن نكون قد أعددنا بيئتنا العقلية الجيدة و القادرة على التميز بين الصحيح و الخطأ ، ثم على فرز الأفكار و المفاهيم ، و على تبني الصالح منها و نبذ الفاسد منها ، بعد ذلك تأتي عملية تلقيح موروثنا القديم بهذا الجديد الصالح لتتجدد دمائه و يصبح قادرا على الاستمرار و التواصل مع الأمم الأخرى .

رنا خطيب

3/12/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق